سعيد حوي

312

الأساس في التفسير

المشرق والمغرب قبلة وهذا لمن كان في جهة الشمال أو الجنوب من الحرم . واستدلوا كذلك بالحديث « البيت قبلة لأهل المسجد . والمسجد قبلة لأهل الحرم . والحرم قبلة لأهل الأرض في مشارقها ومغاربها من أمتي » . أخرج ابن جريج عن ابن عباس عن رسول الله صلى الله عليه وسلم : وَحَيْثُ ما كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ « أي حيثما كنتم من الأرض وأردتم الصلاة فولوا وجوهكم نحوه » . قال ابن كثير : أمر تعالى باستقبال الكعبة من جميع الأرض شرقا وغربا وشمالا وجنوبا ، ولا يستثنى من هذا شئ سوى النافلة في حالة السفر . فإنه يصليها حيثما توجه قالبه ، وقلبه نحو الكعبة . وكذا في حال المسايفة في القتال يصلي على كل حال ، وكذا من جهل جهة القبلة يصلي باجتهاده وإن كان مخطئا في نفس الأمر ؛ لأن الله تعالى لا يكلف نفسا إلا وسعها . وقد استدل المالكية بهذه الآية على أن المصلي ينظر أمامه لا إلى موضع سجوده كما ذهب إليها الشافعي وأحمد وأبو حنيفة قال شريك القاضي : ينظر في حال قيامه إلى موضع سجوده كما قال جمهور الجماعة لأنه أبلغ في الخضوع وآكد في الخشوع ، وقد ورد به الحديث . وأما في حال ركوعه ، فإلى موضع قدميه . وفي حال سجوده إلى موضع أنفه ، وفي حال قعوده إلى حجره . وَإِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ من اليهود والنصارى لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ أي ليعلمون أن التحويل أو التوجه إلى الكعبة هو الحق من الله عزّ وجل ، وهذا يقتضي أن أهل الكتاب بشقيهم من يهود ونصارى يعلمون أن النبوة القادمة المبشر بها قبلتها كعبة إبراهيم ، وهذا واضح لكل من تأمل موضوع البشارات بالنبوة القادمة في كتب العهد القديم التي هي محل اعتماد اليهود والنصارى . إذ في هذه البشارات كما نقلنا نصوصها في كتابنا « الرسول » صلى الله عليه وسلم الفصل الخامس ، كلام عن مكة ، وإشارات إلى الكعبة بالذات . وَمَا اللَّهُ بِغافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ هذا وعيد للكافرين بالعقاب والعذاب على الجحود وإنكار الحق وكتمانه وإبائه . وَلَئِنْ أَتَيْتَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ بِكُلِّ آيَةٍ ما تَبِعُوا قِبْلَتَكَ . وَما أَنْتَ بِتابِعٍ قِبْلَتَهُمْ . وَما بَعْضُهُمْ بِتابِعٍ قِبْلَةَ بَعْضٍ . وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْواءَهُمْ مِنْ بَعْدِ ما جاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ إِنَّكَ إِذاً لَمِنَ الظَّالِمِينَ يخبر تعالى في هذه الآية عن كفر أهل الكتاب ، ومنهم اليهود . إذ هم المرادون أولا بهذا النص ، يخبر تعالى عن كفرهم وعنادهم ومخالفتهم ما يعرفون من شأن رسول صلى الله عليه وسلم ، وأنه لو أقام عليهم كل دليل على